محمد أبو زهرة

1632

زهرة التفاسير

والرضاعة المحرمة عند مالك وأبي حنيفة هي كل مقدار قل أو كثر ، وعند الشافعي وأحمد لا يحرم إلا خمس رضعات مشبعات ليمكن أن يكون الولد جزءا ممن أرضعته ؛ إذ يكون قد أخذ منها غذاء يوم كامل . ولا بد أن تكون الرضاعة في الصغر ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « إنما الرضاعة من المجاعة » « 1 » وذلك يكون في السنتين الأوليين من حياة المولود ، ولذا قال سبحانه : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ . . . ( 233 ) [ البقرة ] . وقال أبو حنيفة : إن الرضاعة المحرمة هي ما تكون في الثلاثين شهرا التي أعقبت الولادة . والحكمة من التحريم بالرضاعة أن المولود يتكون جسمه من جسم التي أرضعته فيكون جزءا منها ، كما هو جزء من أمه ، التي حملته ، وإذا كانت هذه غذته بدمها في بطنها ، فتلك غذته بلبنها في حجرها ، وربما تكون مدة الإقامة في حجرها أطول كثيرا من مدة الحمل ، فكان لا بد أن يثبت لهذه الأم الرضاعية ما يثبت للأم النسبية من حرمة وكرامة ، وإن تكريم المرضعات بذلك التحريم الذي يكون للأمهات الحقيقيات يشجع النساء على الرضاعة ، فلا يضيع الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم ، وفي هذا التحريم فوق ذلك تنبيه إلى أن يتخير الآباء من يرضعن أولادهم ؛ لأنهم إذا علموا أن أولادهم ستتكون أجزاؤهم ممن يرضعنهم تخيروهن من ذوات الأجسام القوية ، والدماء النقية التي لا يدنسها مرض ينتقل بالوراثة ، ولقد كان العرب والسلف الصالح يتخيرون مراضع أولادهم لهذه المعاني . وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ هذه النصوص تعرضت للمحرمات بسبب المصاهرة ، وهي تتم ما ابتدأه سبحانه

--> - امرأة أبى القعيس ، فدخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلت : يا رسول اللّه إن الرّجل ليس هو أرضعنى ولكن أرضعتنى امرأته . قال صلى اللّه عليه وسلم : « ائذني له فإنّه عمّك تربت يمينك » . [ رواه البخاري واللفظ له : النسب - قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : تربت يمينك ( 6156 ) ، ومسلم مختصرا ( 1445 ) ] . ( 1 ) متفق عليه : رواه البخاري ( 2595 ) كتاب الشهادات - باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض ، ومسلم : إنما الرضاعة من المجاعة ( 3561 ) . من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها .